الصريح
16-08-2010, 07:08 AM
من القضايا التي استفحلت تجاذباتها، قضيّة المرأة، فوُظّفت (النصوص) لصالحها وضدّها، وكانت رحى صدامات بين مجددين وجامدين، تُناقش حقّ المرأة في ممارسة دورها الإنساني، من كونها نصفًا آخر للمجتمع لا كسراً من كسوره ولا درجة ثانية، راشداً لا قاصراً.
ومع أنّ العالَم مليءٌ بالعنف الذكوريّ ضدّ المرأة، وتختفي بسببه قرابة 60 مليون امرأة عن تعداده سنوياً، فهو ليس بحاجة إلى نصّ بل عكسُه الذي يحتاج، وبهذا نُنكر أنّ الله أمر بضرب المرأة، لحيثيّة أنّ العنف موجود دائماً بدون تشريع، وسبحانه يريد تهذيب الرجل لا إطلاق وحشِه!
نموذجنا هنا، لمحة خاطفة لقراءة ما سُمّي بآية القوامة، والنشوز، والضرب، وهي من أفتك النصوص سطوةً بيد النهج الجامد، وأبغض الآيات لدى الفريق المظلوم.
هذه المفردات القرآنية وُظّفت بشكلّ سيّء من دون محاولة معرفة معناها ، لتتحوّل إلى تفاسير وفتاوى تكرّس الواقع الخاطئ المُوافق لأماني الرجل وأهوائه، لا أنّها تكشف الحقّ الموافق للكتاب وتروم العدل الموافق للفطرة.
فحسب الدّارج المشهور:
(قوّامون): الولاية والتدبير في البيت ثمّ في المجتمع هي للرجل دونها
(بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ): الرجال أفضل ديناً وعقلاً وتدبيراً، لأنّهنّ عاطفيّات وناقصات عقل.
(نُشُوزَهُنَّ): تمنّع الزوجة عن زوجها في حقّه الجنسي، وعصيانها وتمرّدها أخلاقيّاً.
(وَاضْرِبُوهُنَّ): للزوج تأديبها بالضرب، بما لا يجرح ولا يكسر عظمها ولا يُقبّح وجهها.
(أَطَعْنَكُمْ): عليهنّ طاعة الزوج، وبهذا ظهر مسمّى (بيت الطاعة).
والنصّ القرآنيّ هو:
(الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً) (النساء:34)
ما تمّ العبث بآية تفسيراً قدر هذا النصّ، لقد حُرِّفت كلّ كلمات النصّ الآنف وانقلبت، بسبب القراءة (التجزيئية)، بمعيّة أختها القراءة (العكسيّة) التي تُسقط الواقع على النصّ لتُكرّسه، لا التي تريد قراءة النصّ لُتغيّر به واقعها، ولقد فُسِّرت ألفاظ الآية خطأ، ومنطقها خطأ، ثمّ أُخرجت خارج سياقها وهو الأسرة الزوجية وموضوعها الاستثنائي، لتعمّ مفاصل المجتمع كلّه، لتفضيل الرجال وتوليتهم على مطلق النساء!
- انقلاب المفاهيم القرآنية أعاد إنتاج ظلم النساء:
لقد طالعنا القرآن فوجدنا مسوِّغ الشدّة ضدّ المرأة في حالةٍ واحدة؛ الخيانة الزوجية، (ونظام الزوجية يعني الاثنينيّة التي تنفي الشرْكة الثلاثية، بوجود عشيق/خدْن وما شابه)، قيّد القرآن علاقة الزوجين دائماً باللباس والمودة والرحمة والسكن والاستقرار والإخلاص والتشاور، لأنّه الشأنُ الطبيعيّ ومدخل السموّ الإنساني، وأنّ (النشوز) عن قانون الزوجية يكون بالقفز على هذا النظام المُستقرّ (إذ النشوز خروجٌ عن نظام مستقرّ)، بإشراك طرفٍ ثالثٍ (بالخيانة)، ما يستدعي استنفارا لإعادة (الانتظام الزوجيّ).
بقراءة سلسة للآيات، أوضحتْ أنّها خاصة بالعلاقة الزوجية، التي واجبُ المجتمع القيَميّ أن يكون رقيبا على عفاف نساء أُسَره، ورقيباً على الرجل ألا يتعدّى بفعل غيرةٍ مفرطة، وبيّنتْ أنّ (الضرب) (إجازة) استخدام الوسائل الملائمة لردع الزوجة من هتك الأسرة بالخيانة بعد عدم نفع وسيلتيْ الموعظة والهجر الجنسي، متى برزت منها علامات فعليّة للخيانة، فإنْ أرادت الطلاق فذاك حقّها، أمّا أن تبقى زوجته،وتريد خيانته فله الحقّ ما دامت معقودةً به أن يتوسل ليمنعها حتى بالضرب المعنويّ (الوسائل الرادعة)، فاستخدام القوّة القانونية لمنعها من الفاحشة خيرٌ من تركها لتفجر ويقع عليها عقاب الله والمجتمع وهلاك بيتها وضياع نسلها وعفّتها وصلاحها، وليس كما قيل (الرجل الذي يريد أن يستحوذ على زوجته له وحده يُعتبر معكِّراً لصفو العامّة)، فإن طلّقها فلتُعاشر من شاءت بحلال، صيانةً للقيَم وللأسر ولحقوق الأفراد وتعاقداتها المقدّسة (عقد الزواج)، فالضرب قوّة رادعة لا متشفيّة، ليست إرغاماً جنسيّاً كما تصوّر الفهم الجامد، بل تعبيرٌ عن حبّ قد يلقى موقعه من الطرف الآخر، لعلّه يحجزها للاحتشام والعفّة ريثما تخرج من ذمّة عقده أو تُطيع لوازمه، وهو معنى: (فإنْ أطعنكم فلا تبغوا عليهنّ سبيلا)، فاستخدام الشدّة مع الزوجة مجازٌ (بضوابط قانونية) في حالة شاذّة واحدة هي درء شذوذها!
وعلى هذا، فلا معنى لما ساد من مسمّى (بيت الطاعة) ولا مفهوم (النشوز) الدارج بمعنى عدم تمكين المرأة زوجها جنسياً منها، فالسياق القرآني واللغوي يرفضه، فالمتأبّية جنسياً لا تُروَّض بهجرها جنسياً، لا منطق في هذا، فضلاً أن يكون (النشوز) هو عصيان المرأة لزوجها وخلافها في الرأي معه وملاسنتها!!
وهذا لا يعني أننا نشجّع لخلافهما والتمنّع الجنسي، بل حقّه عليها كحقها عليه، ورأيها كرأيه، وله عليها درجة، لا درجات كما هو اليوم، هي تلك التي أجازها سبحانه للرجال في التعدّد الزوجيّ لظروف خاصّة، وفي العصمة الطبيعية الاعتيادية للطلاق خالي الشروط.
الرجال عليهم واجب التوفير الجنسي، ومنع الأغيار عن زوجاتهم، وواجب التوفير المادي لمنع الحاجة والاستذلال، وبهذا قد يقطعون طريق النشوز (ابتغاء الخيانة).
فأين تفضيل الرجال؟ آيات القرآن بليغة، وتُوجز العبارة، والآية لم تقلّ (بما فضّلهم الله) ولا (بما فضّلهم الله عليهنّ) وكلتاهما أبلغ لو كان المراد تفضيل الفصيل الرجالي على النسائي، بل قالت: (بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ)؟ وهذا الأسلوب أوقع الحيرة لدى المفسّرين ومجافاة المنطق، مع اتّفاقهم –تشريعيا وذهنياً- على أفضليّة الرجل واختلافهم في استنباط هذه النتيجة أو تلبيسها وتفصيلها على ألفاظ الآية!!
الآيةُ وحْدةٌ منطقيّة واحدة، تتحدّث عن العلاقة الزوجيّة فقط والجنسيّة خصوصاً، ولا علاقة لها بالرجال والنساء خارج "القفص" والمخدع الزوجي، تُملي واجب الرجل والمرأة فيها تجاه الآخر بحسب العادة لكلّ الأزمنة البشريّة، تقول بوضوح أنّ الزوجات منهنّ (الصالحات) أي الأمينات جنسيّاً، ومنهنّ العكس؛ المُحتمل (نشوزهنّ) عن الزوجيّة إلى الخيانة الجنسيّة وهنّ نوادر، (فالصالحة قانتة) ، يعني موحّدة لزوجها ويائسة من ابتغاء غيره، (حافظة الغيب)؛ غيب زوجها في نفسها وشرفه، (أيْ محاسنها الجنسية) تحفظها إلاّ عليه، وإذا كان (الصلاح) يتعلّق بالعفّة الجنسيّة، (فالنشوز) أيضاً، لأنّه الصنف المقابِل للصلاح بنصّ الآية، فالمتوجَّس خيانتها ينبغي وعظها لتلتزم بالفضيلة، والضغط عليها حتّى بالهجران ليُشعرها بعدم طهارتها وبالمقت وبتبرّؤه من أيّ حملٍ محتمل ، وآخر علاج لها (مع فرض عدم طلاقها)، هو منعها بالقوّة المقرّرة قانونيّاً، الزوج يستخدم القوّة والمجتمع أيضاً، لا حرّية الإباحة العصريّة والخيانات الزوجيّة وتفكيك الأسر.
(فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً) يعني أنّ الطاعة الملزمة من المرأة لزوجها، عدم تشريكها رجلاً آخر معه، أي الإخلاص الزوجي، وسائر أمورهما بالتفاهم والتشاور، وأنّ السبيل الوحيد الذي يُجيز الشدّة بآخر مراحله هو فقط لمنعها من خيانته الأكيدة! تصوّرْ هذا وأنت تقرأ عن ملايين حوادث الاعتداء الذي تتعرّض له النساء يوميّاً بحجّة أنّ الله أمر (اضربوهنّ)، سبحانه وتعالى عمّا يصفون!
الرجل (قوّام) أي يقوم على زوجته لحفظها جنسياً ومادياً، هذا واجبُه هو، وإلاّ إنْ اضطرّت إلى غيره فالملام هو، وبيّنت الآية نوعاً من كيفيّة حفظ الرجل زوجته جنسياً؛ بإدارة أسوأ حالة استثنائية وهي نيّة الخيانة بردعها مهما أمكن، وهذه هي (القوامة) التي رُفعتْ بيرقاً في كلّ المساحات!
(النساء) المتزوّجات – وهنّ مُستهدف الآية- متساويات كلّهنّ، لم (يُفضّل) سبحانه واحدة على أخرى بأن يكون لواحدة زوجين، فكلّهنّ يحرم أن يكون لهنّ، إلاّ زوجٌ واحدٌ.
أمّا (الرجال) المتزوّجون فغير متساوين، فالبعض (يفْضل) الآخر في عدد الزوجات، (بعض) الأزواج (حسب الطبيعة والعدالة الاجتماعية ولو بتجاوز القسط الفردي للزوجة الأولى)، كان له تاريخيّا أو سُمح شرعاً له بزيادة زوجات على الـ (بعض) الرجال ذوي الزوجة الواحدة، فلذلك قد يُسمح (بهذا الاحتمال) للزوج جنسياً، ما لنْ يُسمح أبداً لزوجته، من إيجاد شريك جنسي آخر، فهو (يقوم عليها) أيْ يمنعها من رجلٍ شريك، ولهذا قيل عن غيرة الرجل أنّها من الإيمان وليس العكس، وهي ليس لها حقّ أن تمنعه من زوجة (شريكة) شرعيّة بشريعة الله ضمن شروطها الموافقة لرضا الزوجة الأولى والعدل معها، لا التعدّدية العبثية ، وقطعاً لا أيّة شريكة بالخيانة، فهذه لها حقّ منعه (بضربه) معنوياً أي ردعه بقوّة الأهل أو قوّة المجتمع والقضاء.
فنصّ التفضيل لا يتكلّم عن الفصيليْن معاً، بل عن (الرجال) المتزوّجين فقط، باعتبار أنّ بعضهم (يفضل/يمتاز) عن بعضهم الآخر (بأكثر من زوجة)، وباعتبار أنّ (كلّ الرجال) أنفقوا (أي دفعوا المهر ومصاريف الزوجية كالسكن وسواه)، وعكسه غير صحيح (فالنساء متساويات بزوج واحد، وليس عليهنّ الإنفاق)، فللرجل دائماً حقّ منع زوجته من الشريك وليس بالضرورة العكس، ولهذا قالوا بأنّ الرجل (يملك البضع) أي حقّ المعاشرة الجنسية وحده، ونرى أنّ حقّه كحقّها، ويزيد حقّه فقط في منعها من غيره، هذا هو الشيء الوحيد الذي يمتاز فيه الزوج درجةً على زوجته، وهو نفسه مظهر آخر للدرجة المذكورة في سورة البقرة (وللرجال عليهن درجة) وهي عصمة الطلاق، التي تعني أنها معصومةٌ به وليس بالضرورة أن يكون هو معصوماً بها فقط، وتعني في حقيقتها أنّ انتقال زوجته إلى شريكٍ آخر دونه لن يكون أبداً إلا بفصم هذه العصمة التي في يده وصدّق على عقدها ومهَره بالمهر/الصداق، والعكس غير صحيح.
بهذا يسقط نصّ تفضيل بعض الرجال على بعض النساء، فضلاً عن تميّز كلّ الرجال على كلّ النساء، ويُصبح خبر كان ولا مؤسِّس شرعياً له، وتتبرّأ الآية ممّا جرجروها إليه من مآربهم، لتعود تقول ما أراد الله قوله.
فخلاصة الآية:
حاجة الزوجة عاطفيا ومادّياً، بعض أسباب قد تدفع شواذّاً من الزوجات للخيانة، فعلى الرجال أن يظلّوا قوامين بحراسة هذا الثغر، لصيانة زوجاتهم ومنعهنّ عن ابتغاء شريك آخر، سواءً لاحتياج جنسي أو مادّي، وليس على الزوجات "واجب" منع أزواجهنّ من الشريكة الحلال، نظراً لأنّ (بعض الرجال) (لا الجميع)، أجاز الله لهم- لظروف خاصّة أو تاريخيّة- ميزة التعدّدية الزوجية التي لم يجعلها أبداً لزوجاتهنّ مهما كانت الظروف (حفظاً للأنساب ولعفاف المرأة ولقيم الأسرة)، هذه (القوامة) أيْ حراسة الزوج الجنسية لزوجته عن الشريك، تعرفها الزوجة (الصالحة) بلا تعليم وتحفظها بلا رقابة، لكن هناك استثناء لزوجات غير صالحات، يُحاولن أن (ينشزن) على العقد الزوجيّ المقدَّس لإدخال شريك، فينبغي للزوج صيانتهنّ بممارسة دوره الطبيعي في (القوامة) بعد التوفّر عاطفياً، وتوفير الإنفاق المادّي المناسب الذي يُقيم امرأته عن الحاجة، فإن حاولت النشوز أي الخيانة العلنيّة (حسب لغتنا السائدة)، وكانا لا يريدان الطلاق، فعلى الزوج (برقابة المجتمع) أن يضبطها بالتعليم أو بقطع السبل عليها (المقاطعة الجنسية والمادّية) وإن لم ينفع فبوسائل القوّة الرادعة (من الزوج أو المجتمع ومؤسّسات الإصلاح) لبناء مجتمع الفضيلة وتجفيف منابع الإباحة والرذيلة، فإذا أطاعت الزوج والتزمت بقانون عقد الزوجية وصيانة عرضه ونسله ومبادئ الفضيلة، فلا موجب آخر في أيّ مسألة لممارسة أيّ وسيلة قوّة مع المرأة، لا بعنف جسمي ولا رمزي، ولا ولاية عليها وتطويع في أيّ شيء، بل كلّ الأمور مفتوحة بالتواصل الإنساني والتوادد والتعايش والتراضي والتفاهم الطبيعي والتشاور، وهذا خارج موضوع النصّ القرآني.
http://www.womengateway.com/NR/rdonlyres/FD3BF726-79FC-45F8-BF2C-BD745580E122/24668/familychart.jpg
دمتم سالمين
ومع أنّ العالَم مليءٌ بالعنف الذكوريّ ضدّ المرأة، وتختفي بسببه قرابة 60 مليون امرأة عن تعداده سنوياً، فهو ليس بحاجة إلى نصّ بل عكسُه الذي يحتاج، وبهذا نُنكر أنّ الله أمر بضرب المرأة، لحيثيّة أنّ العنف موجود دائماً بدون تشريع، وسبحانه يريد تهذيب الرجل لا إطلاق وحشِه!
نموذجنا هنا، لمحة خاطفة لقراءة ما سُمّي بآية القوامة، والنشوز، والضرب، وهي من أفتك النصوص سطوةً بيد النهج الجامد، وأبغض الآيات لدى الفريق المظلوم.
هذه المفردات القرآنية وُظّفت بشكلّ سيّء من دون محاولة معرفة معناها ، لتتحوّل إلى تفاسير وفتاوى تكرّس الواقع الخاطئ المُوافق لأماني الرجل وأهوائه، لا أنّها تكشف الحقّ الموافق للكتاب وتروم العدل الموافق للفطرة.
فحسب الدّارج المشهور:
(قوّامون): الولاية والتدبير في البيت ثمّ في المجتمع هي للرجل دونها
(بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ): الرجال أفضل ديناً وعقلاً وتدبيراً، لأنّهنّ عاطفيّات وناقصات عقل.
(نُشُوزَهُنَّ): تمنّع الزوجة عن زوجها في حقّه الجنسي، وعصيانها وتمرّدها أخلاقيّاً.
(وَاضْرِبُوهُنَّ): للزوج تأديبها بالضرب، بما لا يجرح ولا يكسر عظمها ولا يُقبّح وجهها.
(أَطَعْنَكُمْ): عليهنّ طاعة الزوج، وبهذا ظهر مسمّى (بيت الطاعة).
والنصّ القرآنيّ هو:
(الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً) (النساء:34)
ما تمّ العبث بآية تفسيراً قدر هذا النصّ، لقد حُرِّفت كلّ كلمات النصّ الآنف وانقلبت، بسبب القراءة (التجزيئية)، بمعيّة أختها القراءة (العكسيّة) التي تُسقط الواقع على النصّ لتُكرّسه، لا التي تريد قراءة النصّ لُتغيّر به واقعها، ولقد فُسِّرت ألفاظ الآية خطأ، ومنطقها خطأ، ثمّ أُخرجت خارج سياقها وهو الأسرة الزوجية وموضوعها الاستثنائي، لتعمّ مفاصل المجتمع كلّه، لتفضيل الرجال وتوليتهم على مطلق النساء!
- انقلاب المفاهيم القرآنية أعاد إنتاج ظلم النساء:
لقد طالعنا القرآن فوجدنا مسوِّغ الشدّة ضدّ المرأة في حالةٍ واحدة؛ الخيانة الزوجية، (ونظام الزوجية يعني الاثنينيّة التي تنفي الشرْكة الثلاثية، بوجود عشيق/خدْن وما شابه)، قيّد القرآن علاقة الزوجين دائماً باللباس والمودة والرحمة والسكن والاستقرار والإخلاص والتشاور، لأنّه الشأنُ الطبيعيّ ومدخل السموّ الإنساني، وأنّ (النشوز) عن قانون الزوجية يكون بالقفز على هذا النظام المُستقرّ (إذ النشوز خروجٌ عن نظام مستقرّ)، بإشراك طرفٍ ثالثٍ (بالخيانة)، ما يستدعي استنفارا لإعادة (الانتظام الزوجيّ).
بقراءة سلسة للآيات، أوضحتْ أنّها خاصة بالعلاقة الزوجية، التي واجبُ المجتمع القيَميّ أن يكون رقيبا على عفاف نساء أُسَره، ورقيباً على الرجل ألا يتعدّى بفعل غيرةٍ مفرطة، وبيّنتْ أنّ (الضرب) (إجازة) استخدام الوسائل الملائمة لردع الزوجة من هتك الأسرة بالخيانة بعد عدم نفع وسيلتيْ الموعظة والهجر الجنسي، متى برزت منها علامات فعليّة للخيانة، فإنْ أرادت الطلاق فذاك حقّها، أمّا أن تبقى زوجته،وتريد خيانته فله الحقّ ما دامت معقودةً به أن يتوسل ليمنعها حتى بالضرب المعنويّ (الوسائل الرادعة)، فاستخدام القوّة القانونية لمنعها من الفاحشة خيرٌ من تركها لتفجر ويقع عليها عقاب الله والمجتمع وهلاك بيتها وضياع نسلها وعفّتها وصلاحها، وليس كما قيل (الرجل الذي يريد أن يستحوذ على زوجته له وحده يُعتبر معكِّراً لصفو العامّة)، فإن طلّقها فلتُعاشر من شاءت بحلال، صيانةً للقيَم وللأسر ولحقوق الأفراد وتعاقداتها المقدّسة (عقد الزواج)، فالضرب قوّة رادعة لا متشفيّة، ليست إرغاماً جنسيّاً كما تصوّر الفهم الجامد، بل تعبيرٌ عن حبّ قد يلقى موقعه من الطرف الآخر، لعلّه يحجزها للاحتشام والعفّة ريثما تخرج من ذمّة عقده أو تُطيع لوازمه، وهو معنى: (فإنْ أطعنكم فلا تبغوا عليهنّ سبيلا)، فاستخدام الشدّة مع الزوجة مجازٌ (بضوابط قانونية) في حالة شاذّة واحدة هي درء شذوذها!
وعلى هذا، فلا معنى لما ساد من مسمّى (بيت الطاعة) ولا مفهوم (النشوز) الدارج بمعنى عدم تمكين المرأة زوجها جنسياً منها، فالسياق القرآني واللغوي يرفضه، فالمتأبّية جنسياً لا تُروَّض بهجرها جنسياً، لا منطق في هذا، فضلاً أن يكون (النشوز) هو عصيان المرأة لزوجها وخلافها في الرأي معه وملاسنتها!!
وهذا لا يعني أننا نشجّع لخلافهما والتمنّع الجنسي، بل حقّه عليها كحقها عليه، ورأيها كرأيه، وله عليها درجة، لا درجات كما هو اليوم، هي تلك التي أجازها سبحانه للرجال في التعدّد الزوجيّ لظروف خاصّة، وفي العصمة الطبيعية الاعتيادية للطلاق خالي الشروط.
الرجال عليهم واجب التوفير الجنسي، ومنع الأغيار عن زوجاتهم، وواجب التوفير المادي لمنع الحاجة والاستذلال، وبهذا قد يقطعون طريق النشوز (ابتغاء الخيانة).
فأين تفضيل الرجال؟ آيات القرآن بليغة، وتُوجز العبارة، والآية لم تقلّ (بما فضّلهم الله) ولا (بما فضّلهم الله عليهنّ) وكلتاهما أبلغ لو كان المراد تفضيل الفصيل الرجالي على النسائي، بل قالت: (بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ)؟ وهذا الأسلوب أوقع الحيرة لدى المفسّرين ومجافاة المنطق، مع اتّفاقهم –تشريعيا وذهنياً- على أفضليّة الرجل واختلافهم في استنباط هذه النتيجة أو تلبيسها وتفصيلها على ألفاظ الآية!!
الآيةُ وحْدةٌ منطقيّة واحدة، تتحدّث عن العلاقة الزوجيّة فقط والجنسيّة خصوصاً، ولا علاقة لها بالرجال والنساء خارج "القفص" والمخدع الزوجي، تُملي واجب الرجل والمرأة فيها تجاه الآخر بحسب العادة لكلّ الأزمنة البشريّة، تقول بوضوح أنّ الزوجات منهنّ (الصالحات) أي الأمينات جنسيّاً، ومنهنّ العكس؛ المُحتمل (نشوزهنّ) عن الزوجيّة إلى الخيانة الجنسيّة وهنّ نوادر، (فالصالحة قانتة) ، يعني موحّدة لزوجها ويائسة من ابتغاء غيره، (حافظة الغيب)؛ غيب زوجها في نفسها وشرفه، (أيْ محاسنها الجنسية) تحفظها إلاّ عليه، وإذا كان (الصلاح) يتعلّق بالعفّة الجنسيّة، (فالنشوز) أيضاً، لأنّه الصنف المقابِل للصلاح بنصّ الآية، فالمتوجَّس خيانتها ينبغي وعظها لتلتزم بالفضيلة، والضغط عليها حتّى بالهجران ليُشعرها بعدم طهارتها وبالمقت وبتبرّؤه من أيّ حملٍ محتمل ، وآخر علاج لها (مع فرض عدم طلاقها)، هو منعها بالقوّة المقرّرة قانونيّاً، الزوج يستخدم القوّة والمجتمع أيضاً، لا حرّية الإباحة العصريّة والخيانات الزوجيّة وتفكيك الأسر.
(فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً) يعني أنّ الطاعة الملزمة من المرأة لزوجها، عدم تشريكها رجلاً آخر معه، أي الإخلاص الزوجي، وسائر أمورهما بالتفاهم والتشاور، وأنّ السبيل الوحيد الذي يُجيز الشدّة بآخر مراحله هو فقط لمنعها من خيانته الأكيدة! تصوّرْ هذا وأنت تقرأ عن ملايين حوادث الاعتداء الذي تتعرّض له النساء يوميّاً بحجّة أنّ الله أمر (اضربوهنّ)، سبحانه وتعالى عمّا يصفون!
الرجل (قوّام) أي يقوم على زوجته لحفظها جنسياً ومادياً، هذا واجبُه هو، وإلاّ إنْ اضطرّت إلى غيره فالملام هو، وبيّنت الآية نوعاً من كيفيّة حفظ الرجل زوجته جنسياً؛ بإدارة أسوأ حالة استثنائية وهي نيّة الخيانة بردعها مهما أمكن، وهذه هي (القوامة) التي رُفعتْ بيرقاً في كلّ المساحات!
(النساء) المتزوّجات – وهنّ مُستهدف الآية- متساويات كلّهنّ، لم (يُفضّل) سبحانه واحدة على أخرى بأن يكون لواحدة زوجين، فكلّهنّ يحرم أن يكون لهنّ، إلاّ زوجٌ واحدٌ.
أمّا (الرجال) المتزوّجون فغير متساوين، فالبعض (يفْضل) الآخر في عدد الزوجات، (بعض) الأزواج (حسب الطبيعة والعدالة الاجتماعية ولو بتجاوز القسط الفردي للزوجة الأولى)، كان له تاريخيّا أو سُمح شرعاً له بزيادة زوجات على الـ (بعض) الرجال ذوي الزوجة الواحدة، فلذلك قد يُسمح (بهذا الاحتمال) للزوج جنسياً، ما لنْ يُسمح أبداً لزوجته، من إيجاد شريك جنسي آخر، فهو (يقوم عليها) أيْ يمنعها من رجلٍ شريك، ولهذا قيل عن غيرة الرجل أنّها من الإيمان وليس العكس، وهي ليس لها حقّ أن تمنعه من زوجة (شريكة) شرعيّة بشريعة الله ضمن شروطها الموافقة لرضا الزوجة الأولى والعدل معها، لا التعدّدية العبثية ، وقطعاً لا أيّة شريكة بالخيانة، فهذه لها حقّ منعه (بضربه) معنوياً أي ردعه بقوّة الأهل أو قوّة المجتمع والقضاء.
فنصّ التفضيل لا يتكلّم عن الفصيليْن معاً، بل عن (الرجال) المتزوّجين فقط، باعتبار أنّ بعضهم (يفضل/يمتاز) عن بعضهم الآخر (بأكثر من زوجة)، وباعتبار أنّ (كلّ الرجال) أنفقوا (أي دفعوا المهر ومصاريف الزوجية كالسكن وسواه)، وعكسه غير صحيح (فالنساء متساويات بزوج واحد، وليس عليهنّ الإنفاق)، فللرجل دائماً حقّ منع زوجته من الشريك وليس بالضرورة العكس، ولهذا قالوا بأنّ الرجل (يملك البضع) أي حقّ المعاشرة الجنسية وحده، ونرى أنّ حقّه كحقّها، ويزيد حقّه فقط في منعها من غيره، هذا هو الشيء الوحيد الذي يمتاز فيه الزوج درجةً على زوجته، وهو نفسه مظهر آخر للدرجة المذكورة في سورة البقرة (وللرجال عليهن درجة) وهي عصمة الطلاق، التي تعني أنها معصومةٌ به وليس بالضرورة أن يكون هو معصوماً بها فقط، وتعني في حقيقتها أنّ انتقال زوجته إلى شريكٍ آخر دونه لن يكون أبداً إلا بفصم هذه العصمة التي في يده وصدّق على عقدها ومهَره بالمهر/الصداق، والعكس غير صحيح.
بهذا يسقط نصّ تفضيل بعض الرجال على بعض النساء، فضلاً عن تميّز كلّ الرجال على كلّ النساء، ويُصبح خبر كان ولا مؤسِّس شرعياً له، وتتبرّأ الآية ممّا جرجروها إليه من مآربهم، لتعود تقول ما أراد الله قوله.
فخلاصة الآية:
حاجة الزوجة عاطفيا ومادّياً، بعض أسباب قد تدفع شواذّاً من الزوجات للخيانة، فعلى الرجال أن يظلّوا قوامين بحراسة هذا الثغر، لصيانة زوجاتهم ومنعهنّ عن ابتغاء شريك آخر، سواءً لاحتياج جنسي أو مادّي، وليس على الزوجات "واجب" منع أزواجهنّ من الشريكة الحلال، نظراً لأنّ (بعض الرجال) (لا الجميع)، أجاز الله لهم- لظروف خاصّة أو تاريخيّة- ميزة التعدّدية الزوجية التي لم يجعلها أبداً لزوجاتهنّ مهما كانت الظروف (حفظاً للأنساب ولعفاف المرأة ولقيم الأسرة)، هذه (القوامة) أيْ حراسة الزوج الجنسية لزوجته عن الشريك، تعرفها الزوجة (الصالحة) بلا تعليم وتحفظها بلا رقابة، لكن هناك استثناء لزوجات غير صالحات، يُحاولن أن (ينشزن) على العقد الزوجيّ المقدَّس لإدخال شريك، فينبغي للزوج صيانتهنّ بممارسة دوره الطبيعي في (القوامة) بعد التوفّر عاطفياً، وتوفير الإنفاق المادّي المناسب الذي يُقيم امرأته عن الحاجة، فإن حاولت النشوز أي الخيانة العلنيّة (حسب لغتنا السائدة)، وكانا لا يريدان الطلاق، فعلى الزوج (برقابة المجتمع) أن يضبطها بالتعليم أو بقطع السبل عليها (المقاطعة الجنسية والمادّية) وإن لم ينفع فبوسائل القوّة الرادعة (من الزوج أو المجتمع ومؤسّسات الإصلاح) لبناء مجتمع الفضيلة وتجفيف منابع الإباحة والرذيلة، فإذا أطاعت الزوج والتزمت بقانون عقد الزوجية وصيانة عرضه ونسله ومبادئ الفضيلة، فلا موجب آخر في أيّ مسألة لممارسة أيّ وسيلة قوّة مع المرأة، لا بعنف جسمي ولا رمزي، ولا ولاية عليها وتطويع في أيّ شيء، بل كلّ الأمور مفتوحة بالتواصل الإنساني والتوادد والتعايش والتراضي والتفاهم الطبيعي والتشاور، وهذا خارج موضوع النصّ القرآني.
http://www.womengateway.com/NR/rdonlyres/FD3BF726-79FC-45F8-BF2C-BD745580E122/24668/familychart.jpg
دمتم سالمين